الفيض الكاشاني

114

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

الَّذي يحسب الجاهل أهله أغنياء من التعفّف . الثاني أنّه أسلم لقلوب الناس ولألسنتهم فإنّهم ربّما يحسدون أو ينكرون عليه أخذه ويظنّون أنّه أخذ مع الاستغناء أو ينسبونه إلى أخذ زيادة والحسد وسوء الظن والغيبة من الذّنوب الكبائر ، وصيانتهم عن هذه الجرائم أولى ، وقال أبو أيّوب السختياني : إنّي لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسدا . وقال بعض الزّهاد : ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني يقولون : من أين له هذا ، وعن إبراهيم التيميّ أنّه رئي عليه قميص جديد فقال بعض إخوانه : من أين لك هذا ؟ فقال : كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أنّ أهله علموا به ما قبلته . الثالث إعانة المعطي على إسرار العمل فإنّ فضل السرّ على الجهر في الإعطاء أكثر ، والإعانة على إتمام المعروف معروف ، والكتمان لا يتمّ إلا باثنين ، فمهما أظهر هذا انكشف أمر المعطي . دفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فردّه ، ودفع إليه آخر شيئا في السرّ فقبله ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : إنّ هذا عمل بالأدب في إخفاء معروفه فقبلته وذاك أساء أدبه في عمله فرددته عليه . وأعطى رجل بعض الصوفيّة شيئا في الملأ فردّه ، فقال : لم تردّ على اللَّه ما أعطاك ؟ فقال : إنّك أشركت غير اللَّه فيما كان للَّه ، ولم تقنع بعين اللَّه عزّ وجلّ فرددت عليك شركك . الرابع أنّ في إظهار الأخذ ذلا وامتهانا ، وليس للمؤمن أن يذلّ نفسه . كان بعض العلماء يأخذ في السرّ ولا يأخذ في العلانية ، ويقول : إنّ في إظهاره إذلالا للعلم وامتهانا لأهله ، فما كنت بالَّذي أرفع شيئا من الدنيا بوضع العلم وإذلال أهله . الخامس الاحتراز عن شبهة الشركة ، قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من أهدي له هديّة وعنده قوم فهم شركاؤه فيها » ( 1 ) .

--> ( 1 ) قال العراقي : أخرجه العقيلي وابن حبان في الضعفاء والطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس .